الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

236

مناهل العرفان في علوم القرآن

كان الذي أوتيته حيا أوحاه اللّه تعالى إلى فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » رواه الشيخان . الوجه الثاني طريقة تأليفه وبيان ذلك أن القرآن لم ينزل جملة واحدة ، وإنما نزل مفرقا منجما على أكثر من عشرين عاما ، على حسب الوقائع والدواعي المتجددة ، كما تقدم بيانه في المبحث الثالث من هذا الكتاب ، وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم كلما نزل عليه نجم من تلك النجوم قال : ضعوه في مكان كذا من سورة كذا . وهو بشر لا يدرى ( طبعا ) ما ستجىء به الأيام ، ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ، ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث ، فضلا عما سينزل فيها . ثم مضى العمر الطويل والرسول على هذا العهد ، وإذا القرآن كله بعد ذلك يكمل ويتم ، وينتظم ويتآخى ويأتلف وينسجم ، ولا يؤخذ عليه شئ من التخاذل والتفاوت ، بل كان من ضروب إعجازه ما فيه من انسجام ووحدة وترابط ، حتى إن الناظر فيه دون أن يعلم بتنجيم نزوله ، لا يخطر على باله أنه نزل منجما ، وحتى إنك مهما أمعنت النظر وبحثت ، لا تستطيع أن تجد فرقا بين السور التي نزلت جملة والسور التي نزلت منجمة ، من حيث إحكام الربط في كل منهما . فسورة البقرة مثلا وقد نزلت بضعة وثمانين نجما في تسع سنين « 1 » . لا تجد فرقا بينها وبين سورة الأنعام التي نزلت دفعة واحدة كما يقول الجمهور « 2 » من حيث

--> ( 1 ) وجه نزولها في تسع سنين أنها جمعت بين ما نزل في مبادى السنة الثانية للهجرة ، كآيات تحويل القبلة وآيات تشريع صوم رمضان وبين آخر القرآن نزولا على الإطلاق ، وهو آية وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ التي ورد أنها نزلت قبل وفاته صلى اللّه عليه وسلم بتسع ليال فقط . ( 2 ) رواه الطبراني موقوفا على ابن عباس ورواه أبي بن كعب مرفوعا بسند ضعيف .